مجمع مالك بن نبي

كان مسلما راسخ الإيمان تمكن من التحكم في المنهج العلمي الغربي المعاصر فعالج به انشغاله العميق بانحطاط الأمة الإسلامية مما جعله يبدع فكرا فريدا مبادؤه إسلامية ومنهجه علمي معاصر فتمكن باقتدار من تشخيص ظاهرة تخلف المسلمين وتصور حلولا ناجعة لها أخذت بها بعض
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  حياة مالك بن نبي رائد الحضارة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 109
تاريخ التسجيل : 31/03/2013

مُساهمةموضوع: حياة مالك بن نبي رائد الحضارة   الإثنين أبريل 01, 2013 10:54 pm

حياة مالك بن نبي وسيرته الذاتية



1/ مولده و نسبه :

هو مالك ( صديق ) بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي، ولد في مدينة قـسنطينة مدينة العلم و العلماء في 05 ذو القعدة 1323 ه/ 01 يناير 1905م.[1]
كان مالك بن نبي ابنا وحيدا من الذكور لأبوين عربيان مسلمين. لذلك كان محل عناية كبيرة منهما و حتى من شقيقتيه، فحرصا على رعايته و تربيته تربية سليمة، فأسرته أسرة إسلامية محافظة، و متمسكة بدينها و تقاليدها.[2]
أما عن حالته المادية فـهو ينتمي لأسرة فقيرة تتكون من الجدين و الأبوين و الأخوة، و ازداد فقر الأسرة بعدما هاجر الجد الذي يعيلها إلى طرابلس بسبب القمع الاستعماري، و لشدة العوز و الحاجة تضطر أم مالك في بعض الأحيان إلى بيع أواني البيت لتشتري الطعام لأبنائها بسبب عدم كفاية مدخولها من خياطة الملابس[3]. و ذلك قبل أن يعمل زوجها موظفا إداريا – وظيفة خوجة – بالقضاء الإسلامي، حيث حول بحكم وظيفته إلى تبسة التي إلتحق بها مالك بعد فترة قضاها في قسنطينة عند أقاربه، أين بدأ يتابع دراسته القرآنية، بحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، و الإبتدائية بالمدرسة الفرنسية.[4]

2/ الدراسة الثانوية :


لقد كانت علامات النبوغ و التفوق واضحة في شخصية "مالك بن نبي" منذ المراحل الأولى من حياته،ذلك أنه في عام 1918 م تحصل على الشهادة الابتدائية بتقدير جيد و نجح في الامتحان المنح، ذلك الذي كان ذا دلالة لطفل من الأهالي، و ما كان في وسع أبويه إلا أن يرسلاه إلى المدرسة الثانوية بقسنطينة[5] و بقي يحضر لمدة عامين لإجتياز امتحان دخول الثانوية مثلما فعل أبوه في صباه، و بالفعل في عام 1921 م إجتاز الإمتحان.
و يصف مالك بن نبي، تاريخ دخوله إلى الثانوية فيقول : "السنة الدراسية 1921-1922 م ... هاهي ذي سنتي الأولى في المدرسة الثانوية.[6]
و الواقع أن المرحلة الثانوية من حياة "مالك بن نبي" كانت ثرية و مفيدة له في توسيع مداركه سواء عن طريق قراءاته الكثيرة حيث كان واسع الإطلاع، شغوف بالمطالعة و حب الكتب القديمة و الحديثة منها، و يذكر في يومياته أنه قرأ تقريبا كل الكتب الدراسية التي كانت موجودة بمكتبة ثانوية قسنطينة.


كما كان يتابع الصحف التي كانت تزيد من وعيه بتمزقات الواقع الإجتماعي، و الفكر الإصلاحي بعد الحرب العالمية الأولى.
فتتلمذ في الثانوية نفسها على أساتذة وطنيين في العربية، زرعوا في نفسه بذرة العمل الوطني، كما درس على أساتذة فرنسيين عنصريين، أشعروه بالهدف الاستعماري الفرنسي لمسخ الشخصية الإسلامية العربية في الجزائر، و تشويه تاريخ الوطن أما مشاعره الإنتمائية فكانت تتجه نحو رجل الإصلاح المعروف الشيخ "عبد الحميد بن باديس" خاصة و قد زرع هذا الميل في نفسه منذ كان صغيرا.
و من هنا شرع فضوله يكبر و اهتمامه بالشيخ عبد الحميد بن باديس يزداد اتساعا و لهذا نجد أنه في سنة 1925، تحصل على الإجازة و اتصل في نفس الفترة بحركة الإصلاح الحديثة النشأة آنذاك تحت إشراف العلامة عبد الحميد بن باديس، فحاول بعد حصـوله على الإجازة متابعة دراسته بفرنسا إلا أن ظروفه المادية حالت دون ذلك.[7] فكان منذ صغره مولعا بالمطالعة و يفضلها على الرياضة و سائر الألعاب و اهتمامات الشباب فقد أحب مشاهدة السينما فكان شديد الإعجاب بالشريط الوثائقي الأمريكي "أسرار نيويورك" الذي كان يعرض في قسنطينة أثناء الحرب العالمية الأولى.
و قد اضطر يوما إلى بيع حذائه كي يشتري تذكرة الدخول لمشاهدة هذا الشريط الوثائقي.[8]
و تركت فيه تلك الأشرطة السينمائية انبهارا و ألما في نفس الوقت، فالإبنهار لما وصل إليه الغرب من حضارة، و ألم لما آل إليه العالم الإسلامي من تخلف و تقهقر فدفعه ذلك إلى البحث عن الأسباب العميقة لهذا التقدم الغربي بدل الاكتفاء بالقشور و الاستهلاك ما تنتجه الحضارة الغربية، و يقول بن نبي أن الحضارة لا تكمن في استيراد و استهلاك السلع الغربية، بل الحضارة هي القدرة على إنتاج هذه السلعة، فيستغرب من المسلم الذي يستهلك منتجات الغرب فيشاهد التلفزيون و يركب السيارة أو الطائرة لكن دون أن يسأل نفسه كيف صنعت هذه المنتجات، فيشبه المسلم بالطفل الصغير الذي ينبهر باللعبة دون البحث في كيفية صنعها، و يلح بن نبي على ضرورة القضاء على هذه الذهنيات الطفولية إذ أردنا الدخول في الحضارة و اكتساب التكنولوجية.[9]
كما تميز سلوكه في هذه المرحلة بالميل إلى الصمت وإيثار الوحدة على الاجتماع و لكن إحساسه بآلام الواقع الذي فرضته الظروف الاستعمارية كان كبير لذا حين نشبت ثورة الريف اندفع يشارك رفاقه في كتابة و لصق النداءات المناوئة للمستعمر المحتل.
و كما يبدو أن إدارة الثانوية، التي كان مالك يزاول تعليمه بها أحست في أقواله و لاحظت في تصرفاته ما ينبئ بانفلاته من الفكر الميت، و تطعيمه ضد جراثيم ( الفكر القاتل )، و هما ما يحرص المستعمر على أن يظل الجزائري أسير أحدهما أو كليهما، فراحت تلك الإدارة تحمله سلفا مسؤولية كل ما يحدث من شر في الثانوية، و لا شك أن الإدارة المذكورة لم تكن تزعجها " الشرور المادية" من تكسير و تخريب بقدر ما كانت تقلقها " الشرور الفكرية" فوضعت قراءاته تحت المراقبة.[10]

3/ البحث على العمل و الإنتقال إلى باريس:


ماكاد مالك بن نبي ينهي تعليمه في الثانوية حتى عاد إلى العزلة في تبسة باحثا عن عمل، و أخذت تراوده جملة من الأسئلة أهمها: ما العمل؟. و خاصة بعدما أغلق الاستعمار كل أبواب العمل في وجهه نتيجة تعاطفه مع حركة الإصلاح الديني التي يقودها الشيخ عبد الحميد بن باديس، و إلى جانب ذلك ما لوحظ عليه من فطنة و ذكاء يمكن استغلالها في توعية الشعب[11] . و في عام 1925 تخرج مالك بن نبي بعد سنوات الدراسة الاربع في مدرسته التي اعتبرها كما يقول:" سجنا تعلم فيه كتابة صك زواج أو طلاق"[12] ، ففكر بن نبي مع زميل له في الهجرة إلى فرنسا بحثا عن العمل و في هذا يقول مالك بن نبي:" من أجل أن نفتح لأنفسنا بابا على العالم، لأن الأبواب موصدة في الجزائر"[13] .
فباع كل ممتلكاته لتغطية مصاريف السفر، و بهذا ركبا الباخرة من (سكيكدة) إلى (مارسيليا) مع زميله قاواو، لكن الجوع و البحث عن عمل لم يسمح له بذلك بالمقارنة بين الواقع و ما قرأه في الكتب عن حضارة أوربا و مبادئ الثورة الفرنسية، الا أنه اكتشف أمرا واحدا يتمثل فيما أسماه بعقدة الأوربي اتجاه شعوب المستعمرات. فلاحظ أن أغلب الأوربيين يحملون أفكار مسبقة و جاهزة و غيرها من الصفات التي غرستها الدعاية الاستعمارية في الأذهان.
فصعب عن مالك بن نبي إيجاد العمل، فاضطر لبيع معطفه الجديد بثلث ثمنه كي يستطيع السفر إلى "ليون"، و اضطر أيضا إلى تغيير لقبه إلى "جول" و التحدث بالفرنسية التي يتقنها جيدا لعله يحظى بعمل ما، لكن يرفض طلبه كلما أكتشف انه مسلم جزائري.[14]
لكنهما عثرا على عمل في مصنع للإسمنت (noterdame-lorette) لحمل الآجر و الأكياس ذات الخمسين كيلوغراما، و سرعان ما ترك مالك بن نبي هذا العمل للعمل بباريس، في مصنع للمشروبات لكن على رصيف الزجاجات الفارغة، إلا أن سعير الحرارة في ( جهنم ) الموقع أكل روحه و جسده.
فأرسل إلى أهله في تبسة ابعثوا مالا للعودة فكانت مراسلته الأولى، و في هذا يقول مالك بن نبي :" و لم أعرف من باريس الا ارصفة نيكولا الفارغة و المملوءة، و عرفت بعد برج (إيفل)..... عدت الى الجزائر و عاد معي السؤال: ما العمل؟[15] . ذلك السؤال الذي دفني الى المغامرة اليائسة التي عشتها مع قاواو".
و باع بن نبي الكتب التي أخذها معه على الرصيف كي يأكل و يعود الى أهله و وطنه.[16]
فعاد مالك بن نبي إلى تبسة بعد اسابيع من التيه في فرنسا لتبدأ تجارب جديدة في الإهتداء الى عمل.
و بعد اشهر من البطالة وجد عملا في محكمة تبسة الشرعية ثم ارسل الى محكمة أفلوا قرب الأغواط[17] ، و عين كعدل أي مترجم في المحاكم، حيث وصل في مارس 1927م في محيط بدا له غريبا. و في هذا يقول مالك بن نبي:" لكن العشرة الحسنة للناس الذين رحبوا بي في أفلوا طمأنتني و بلغ بها الأمر أن أشغفتني حبا"[18]. و يضيف: " كانت أفلوا المدرسة التي تعلمت فيها أن أعرف أكبر معرفة فضائل الشعب الجزائري التي ما تزال سليمة لم يمسها شيء، كما كانت حقا في الجزائر كلها قبل أن يعبث الاستعمار فيها فسادا"[19] . فقد إكتشف مالك بن نبي هناك الحياة البدوية في صفائها البكر حين لم تصل إليها بعد يد الاستعمار، فيستولي على المراعي و الحياة البدوية، لذا بادر بالإتصال بوجهاء المنطقة و إقترح عليهم لدرء أخطار مصادرة الأراضي المشاعة من قبل الاستعمار و العمل على وضعها في حماية الملكية الخاصة عبر تمليكها من المستفدين منها، و قد طالب مقابلة الشيخ عبد لبحميد بن باديس ليشرح له فكرته[20]، فتعرف عليه و عرف قيمته الإصلاحية.

و قد يكون مالك بن نبي أراد أن يعرف سكان المنطقة لمرجع فكري يساعدهم على التمسك بتلك الفضائل و يجعلهم يعتصمون بها عن بينة، و يجادلون عنها بعلم، فأدخل إليها لأول مرة مجلة الشهاب، و في هذا يقول مالك بن نبي:" أظن أنني أنا الذي أدخلت العدد الأول من مجلة الشهاب[21] إلى آفلوا و كنت أقرؤها مع السيد عمر بن القاضي، الذي لم يكن يقبل محتواها كله.
لم تطل إقامة مالك بن نبي في آفلو فانتقل في سنة 1928م إلى محكمة شلغوم العيد6 غير بعيدة عن قسنطينة.
وكان وجوده في هذه المدينة فرصة له ليقارن بين الإنسان الجزائري فيها، و الذي فقد فضائله أو أفقده الإستعمار فضائله، حيث كانت المدينة "مركزاَ" كبير للمستعمرين، و بين الإنسان الجزائري في آفلو التي احتفظ بتلك الفضائل.

و يسبب الجو السائد في شلغوم العيد لم يبق بها إلا قليلاَ. فإستقال من الوظيفة إثر نزاع مع كاتب ضبط الفرنسي لدى محكمة المدينة الذي أخذ يهين و يدوس كرامة العمال الجزائريين، فكان هروبا من المظالم السائدة في المحاكم و الإدارة الإستعمارية، فعاد إلى تبسة في مارس عام 1928م. ليدخل في مشروع تجاري للأعمال الذي يضمن له عدم تحكم المعمر الأوروبي. و كان ذلك في إطار عائلي مع زوج أخته.

فاشترى بالمال الذي وفره شاحنة نقل السلع. إلا أنه لم يسعفه الحظ و وقع ضحية الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية في العالم كله و ليس الجزائر فقط[22] و انتهى مشروعه بالخسران و خيبة الأمل الطاحنة، مـما آلمه أكثر لكون شريكه ذا أسرة في حاجة إلى الطعام.
و أمام هذا الوضع المزري تجدد مشروع السفر إلى الخارج من جديد لكن بطريقة معقولة زكاها والده، فقالت له أمه:
"أذهب إلى باريس و تابع دراستك[23]".

فلم تمضي سوى ثلاثة أيام من اتخاذ القرار حتى استقل الباخرة من ميناء عنابة إلى مارسيليا و من هنالك إلى باريس بالقطار. فنزل في محطة (ليون)، من شهر سبتمبر 1930م، و هو مطمئن البال لأن له من المال مايكفي هذه المرة.
كما طمأنه والده بتوفير إحتياجاته كلها. فنزل وهو معلنا في نفسه "لا عود هذه المرة إلى الوراء مثلما عدت المرة الأخيرة بعد النكسة التي اصباتني مع رفيقي قاواو في صيف 1925م"[24]

فكانت الرحلة هنا عملية جادة. طمح فيها "مالك بن بني" الدراسة بمعهد الدراسات الشرقية بباريس أملاَ في التخرج محاميا, فهيأ نفسه لامتحان الدخول. و استعد له [25]ثم اجتازه و كله ثقة في النجاح.



و بالفعل نجح في مسابقة الدخول إلى هذا المعهد1. ليفاجأ فيها بعد برفضه، فكانت خيبة الأمل لأن النتيجة كانت مقررة مسبقاً فقال عنها: "لقد طلبني المدير المعهد و في هدوء مكتبة الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى في الإصرار على الدخول لمعهده" ويضيف:
"فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة، إن الدخول المعهد الدراسات الشرقية لا يخضع بالنسبة لمسلم جزائري لمقياس علمي و إنما لمقياس سياسي، و نزلت كلمات المدير على طموحي نزول سكين المقصلة على عنق المعدوم.... و في ذلك اليوم لم يتحطم فقط املي بل شعرت أن حلم والدتي و والدي قد تحطم أيضا على صخرة الإدارة المقررة في خبايا الدوائر الإستعمارية في فرنسا مثلما في الجزائر2.
يقول مالك بني نبي عن حقيقة فرنسا في كتابه "Vocation L`islam" أن الطالب الجزائري لم يكتشف أوروبا بل اكتفى أمام هذا العجز بالإنزواء في القراءة و التعلم و الحفظ و لكن دون فهم لحقيقة الأشياء.3
فلقد توصل إلى قناعة هي أن فرنسا التي يعيشها في باريس هي نفسها فرنسا المتمثلة في الحاكم العام و الكولون في بلده الجزائر وما الحقوق و المساواة و ما إلى ذلك من قوانين الحياة سوى وعود على الورق لا تعرف الصلاحية حين يتعلق الأمر بتطبيقها على الأهالي، و من هناك تولد لدى الطالب الجزائري الفرنكوفوني خاصة و المغربي عامة ضرورة البحث عن هياكل تنظيمية تقيه شر الميز و اللامساواة.
وكذلك لمواجهة هذا الأمر الواقع الذي لا يمكن السكوت عنه لأن التجربة أثبتت أنه مهما حاول الطالب الجزائري الإقتراب من شخصية الفرنسي أكثر فإن الفارق يظل شاسعا و استحالة الاندماج فيه تظل أمراَ مستحيلاَ4

فما دام بن نبي يحمل أفكاراَ معادية للاستعمار فلن يسمح له أبدا بدخول هذا المهعد.
و في هذا إشارة إلى الرقابة الصارمة التي كان الاستعمار يضربها على أبناء المستعمرات، خاصة الذين يتأكد من نبوغهم و ذكائهم و حرصهم على عدم الرضوخ لإغراءاته.

فإضطر للتعديل في أهدافه و غاياته. فالتحق بمدرسة (اللاسلكي) مدرسة التقنيات الكهربائية المسماة بإسم مديرها سودرية sudria غير بعيدة عن معهد اللغات الشرقية للتخرج كمساعد مهندس مما يجعل موضوعه تقنيا خالصاً بطابعه العلمي الصرف على العكس من المجال القضائي و السياسي.
و نصحه أحد أساتذته فيما بعد بالإنتقال إلى مدرسة متخصصة في الكهرباء. و الميكانيك لمدى استعداده للدراسات النظرية خاصة الرياضيات و الفيزياء حيث تخرج منها سنة 1935م.


1 بشير بلاح، المرجع السابق ، ص 409.
2 مالك بن نبي، المصدر السابق ، ص 28
3 مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص 123
4 عبد الله حمادي، المرجع السابق، ص ص 30 - 44
و أبرز مالك بن نبي ذكاء خارقا للعادة في دراسته. فأراد أن يلتهم كل العلوم الحديثة. فأقبل على أخذ الدروس الليلية في الكيماء التطبيقية في المعهد التابع لمعهد الفنون و الصناعات في الباريس، وسجل أيضا في الدروس بالمراسلة في مدرسة الأشغال العمومية لدراسة علم مسح الأرض وأهتم بكل ما يتعلق بالعلوم و التقنيات و أراد أن يربط بين العلوم النظرية و التطبيقية، فتعلم حتى طرق لتربية النحل.

كما اتصل ببيئات السربون و الكوليج دي فرانس. واتصل بعشرات من المفكرين و الباحثين و المستشرقين.
و كان مالك بن نبي بهذا السلوك يحمل هاجس المسلم المتعطش للعلم، فكأنه يريد نقل كل التقنيات و العلوم و التكنولوجيا1 إلى بلاده فكان يحلم بالسفر إلى كل أرجاء العالم الإسلامي بعد نهاية دراسته لينقل لها المعارف العلمية و التقنية التي اكتسبها و يساهم في انشاء الصناعات في هذه البلدان.
و كانت عيون الإستعمار ترصد هذا الشاب الذي يحمل هموم وطنه فمنعه من اجتياز امتحانات نهاية الدراسة بدعوى أنه لم يستوف شروط الإمتحانات وعندما حاول الإستفسار اعترف له مرة أخرى أن القضية سياسية و ليس لها أي علاقة بالشروط العلمية.
يقول عبد الرحمن الطهمازي "إنه فوجئ بعد تخرجه بشئ لم يكن يتوقعه فوجئ بالأبواب أمامه مقفلة، إنه لم يستطيع القيام بالتمرينات اللازمة لكل مهندس تخرج حديثا، لأن الإستعمار الفرنسي أدرك العقلية التي يحملها "مالك" الذي لم يكف عن الإتصال بأحداث العالم العربي و التجاوب معها2"

لكن تشاء الأقدار أن يدخل مالك بن نبي من هذا الباب نفسه إلى عالم الفكر السياسي فبدأ هنا يرتفع بشعوره إلى مستوى وطني رفيع يحس بمسؤوليته ماتجاه وطنه و مجتمعه للخروج من التحلف و الأخذ بأسباب الحضارة و الثقافة الحديثة3.


1عبد الله حمادي ، المرجع السابق ، ص 44
2انوار الجندي،الفكر و الثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، مصر: دار القوامية للطباعة و النشر، 1965 ، ص 67
3 عمر قنية، المرجع السابق ، ص84.

4/ المؤثرات الإجتماعية و الثقافية في تكوين شخصيتة:


العائلة و المحيط:

تأثر مالك بن نبي بجدته ''الحاجة زوليخة "التي كان لها أثر كبير في توجيهه الوجهة الحسنة وتربيتة التربية الصالحة –عمرت فبلغت مئة سنة- كانت مدرسته الأولى التي تكونت فيها مداركه، إذ كانت تقص عليه القصص فتشده إليها ببراعتها قي رواية الحكايات التي كانت تدور حول العمل الصالح و ما يترتب عنه من تواب و العمل الصالح و ما يتبعه من عقاب، ويقر مالك بن نبي بذلك1 فيقول:"و كانت هذه الأقاصيص تعمل على تكوين دون أن أدري، فمنها عرفت أن الإحسان في مرتبة عليا من الخلق الإسلامي.2 "
أما جده لأبيه فقد أثر فيه تأثيرا خاصاَ تمثل في الكره المبكر للإستعمار و ضرورة العمل على إحباط مساعية و مؤامراته.
أما والدا مالك بن نبي فقد حرصا على تكوينه تكوينا دينيا إسلامياَ، حيث أنه عندما نجح في مسابقة الحصول على منحة قصد الإستعداد للدخول إلى معهد المعلمين، كان التوجيه الذي أراده له أبواه هو أن يصبح عدلاَ في الشرع الإسلامي3.
كما كان لزوجته خديجة الفرنسية التي هداها الله إلى الإسلام أثر كبير في تكوينه و في هذا يقول مالك بن نبي:"وأتجاذب الحديث مع خديجة حول القضية الجزائرية أو حول الدين، و كان يروق لها بعدما أصلي المغرب أن تستمع لما أتلوا من القرآن دون أن تفهم بطبيعة الحال غير أنها تتذوق جرس التلاوة نفسها، ويحدث أن تطرح بهذا الصدد سؤال المريد المبتدئ أو تبدي رأيها في موازنة الإسلام و المسيحية بطريقة تفيدني أحياناَ"
كما يذكر لنا مالك بن نبي تأثير المناقشات مع زوجته في تكوينه الفكري فيقول :"والأن بعد أربعين سنة- عندما تعود لفكري تلك الذكريات- أتصور أن الأقدار التي سخرتني وسيلة تعرفت خديجة بواسطتها على الإسلام، قد سخرتها هي لأتعرف بواسطتها على الوجه الأصيل للحضارة الفرنسية...."4
لكن يظهر لنا أنا أكبر تأثيرا للمواجهات الفكرية لمالك بن نبي تتمثل في صديقة حمودة بن الساعي الذي سبقه إلى المدرسة الفرنسية الإسلامية، و التقى به في الجزائر و فرنسا.
و ما هو جدير بالذكر أن المعرفة بين الرجلين ترجع إلى المرحلة الثانوية، وكان بالنسبة إليه صديقاَ و أباً روحياً و قوة، و أعجبه فيه ثقافته العربية الإسلامية الواسعة واتقانه الإستشهاد بالآيات القرآنية في الظروف الاجتماعية المستجدة للمجتمع الإسلامي5.



1 يوسف حسين، المرجع السابق، ص33
2 مالك بن نبي، (الطفل) ، ص19.
3 يوسف حسين، المرجع السابق ، ص35
4 نفسه، ص ص 59-60.
5 عبد اللطيف عبادة ، المرجع السابق ، ص 30
اعترف مالك بن نبي بهذا التأثير في مواضيع كثيرة، فيقول عن ذلك: "أدين لحمودة بن الساعي1 بإتجاهي كاتبا متخصصا في شؤون العالم الإسلامي و إن تحولي عن دراستي قد زاد بصحبته منذ أن أصبحت مهتماً بالفلسفة و علم الاجتماع و التاريخ، أكثر من اهتمامي بمواد مدرسة اللآسلكي"2 و يبين لنا مالك كيف تأثر به وصار قدوة له:"بن الساعي الذي يكبرني لم يكن مخلصاً ذكياَ و مثقفاَ بالعربية و الفرنسية فحسب، بل هو شخص مثال و قدوة ... فقد ترك في نفسي أثر خالصا حينما تعرفت عليه شخصياَ بعد عدة أشهر ... كنت أستمع إلى طريقتة في توجيهه الآيات القرآنية ليحدث تفسيراً إجتماعيا لحالة المجتمع الإسلامي الحاضرة و كان ذلك يؤثر في نفسي كثيراً".3
أما من حيث التأثير المبكر للمحيط، فنجد أن مالك بن نبي قد تأثر بالحياة الإجتماعية السائدة في كل من قسنطينة وتبسة، في نفسيته، فقد جعله يحرص على التمسك بالأصالة و المعاصرة في آن واحد و يؤكد هذا التأثير بقوله:
"ففي تبسة كنت أرى الأمور من زاوية الطبيعة و البساطة، أما في قسنطينة فقد أخذت، أرى الأشياء من زاوية المجتمع و الحضارة واضعاً في هذه الكلمات محتوى عربياً و أوروبياً في آن واحد."
إذن فبيئة تبسة ذات الطابع شبه البدوي-التي تمكن أهلها من المحافظة على فضائلهم وأخلاقهم و تقاليدهم لبساطة الحياة فيها، أورثت مالك التمسك بالأصالة، بينما بيئة قسنطينية وهي -حاضرة من الحواضر الكبرى في الجزائر -أوراثته التفتح على الأخرين ومكنته من ولج باب المعاصرة.4
كما كانت أيضاً للمقاهي مثل"مقهى بن يمينية" تأثيراً في تكوين شخصية حيث كانت ملتقى التبادل الأفكار و قراءة الصحف العربية و الفرنسية الكبرى، و الإستماع إلى المذياع للإطلاع على أخبار المسلمين في العالم5.


1 حمودة بن الساعي : طالب في قسم الفلسفة في جامعة السوريون، و تلميذ المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون، يتميز بن الساعي بذكاء كبير، و اطلاع واسع على الثقافة و السياسة و قضايا العالم الإسلامي، توفي سنة 1998م
2 مالك بن نبي،(الطالب) ،ص234
3 يوسف حسين، المرجع السابق، ص ص 57-58
4 نفسه، ص 36
5 مولود عويمر، مالك بن نبي رجل الجضارة و مسيرته و عطاؤه الفكري، الجزائر: دار الأمل للطباعة و النشر و التوزيع، 2007 ، ص 13

المدرسة و تأثير الأستاذة:

أولا: تأثير المعلمين المثقفين ثقافة عربية إسلامية:

1/ الشيخ عبد المجيد: و هو مدرس في معهد تكوين المعلمين، حيث تلقى مالك بن نبي عنه دروساً في قواعد اللغة العربية ،والنحو والصرف وقسطا من الشعر، وبالإضافة إلى هذا فقد كان لآراء الشيخ عبد المجيد في المجتمع وانتقاداته للبدع، و كراهيتة لتصرفات الإدارة الفرنسية و تهجمه على تجاوزاتها1 الأثر البالغ في مالك بن نبي الذي أعترف قائلاً:" و سرعان ما أدركنا عداءه لبعض التقاليد السائدة في المجتمع الإسلامي كالطرق الصوفية و كراهيته لتجاوزات الإدارة الفرنسية ... وقد أذكى ذلك في نفوسنا تاييداً و حماسة".2
2/ الشيخ مولود بن موهوب: و هو مفتي مدينة قسنطينة الذي تتلمذ على يد الشيخ عبد القادر المجاوي3. و هو استاذ التوحيد و السيرة النبوية الشريفة في معهد تكوين المعلمين. غرس في قلب مالك بن نبي و زملائه في الدراسة حب الحركة الإسلامية و جذبهم إلى خطها.
3/ الشيخ بن العابد: و هو أستاذ الشريعة الإسلامية بالمعهد المذكور آنفا، و على الرغم من أنه لم يؤثر في فكر مالك بن نبي و شخصيته تأثيراً مباشراً و بليغاً، فقد مكنته دروسه في الفقه من اجتناب الوقوع في متاهات الفكر الغربي،لقد كانت محاضرات الشيخ بن العابد في الشريعة الإسلامية كما يقر مالك بن نبي "مذكراً قوياً يعود بروحي إلى الطريق الصحيح4."

ثانيا: تأثير المعلمين المثقفين ثقافة فرنسية غربية:

1/ المعلمة بويل: عندما بلغ مالك السن السادس من عمره دخل المدرسة الفرنسية في تبسة فتأثر بمعلمته السيدة بويل التي تختلف عن الكثير من المعلمين الاستعماريين، لما تحمله من حب للإنسان مهما كان عرقه أو دينه، و كانت تطلب من تلاميذ القسم و منهم الأوربيون اتخاذ مالك بن نبي كنموذج يقتدى به في الإجتهاد و المواظبة و النظافة و السلوك القويم، و هذه المعلمة تركت في نفسه أثرا حسناً و لم ينساها حتى في كبره و هذا ما يرويه لنا مالك عن ذلك: "و لكن الشيء الذي لم يزل عالقاً بذاكرتي إلى اليوم هو ما شعرت به تجاه المدام (بويل) .... و على أيه حال استيقظت ذات يوم، و أنا أشعر تجاه (مداد بويل) بحب لا ينقص... عن حبي لأمي، و مما يزيد في غرابة الأمر شعرت أن السيدة استجابت تماما إلى إنطلاقة قلب هذا الطفل، و مهما يكن رأيت منذ تلك اللحظة دروسي تأخذ السير الممدوح"5



1 يوسف حسين، المرجع السابق ، ص37
2 مالك بن نبي، (الطفل)، ص 48
3Abdellatif ABADA, Textes choisis de la pensée de Malek Benabi, Algérie : ALEM EL AFKAR, 2003 , p10
4يوسف حسين ، المرجع السابق ، ص38 ص-39
5 مالك بن نبي، ص27
2/ المعلم الفرنسي (مسيو مارتان Mr MARTIN): المدرس بمدرسة سيدي الجلي بقسنطينة كان له الآثر البالغ في امتلاك مالك لزمام اللغة الفرنسية، و في شغفه بالمطالعة، و حسب شهادة مالك بن نبي: "لقد طبع في نفسي هذا الأستاذ تذوق القراءة، ففي مساء كل سبت كان يعير الكتب للتلاميذ ..."1

3/ المعلم الفرنسي (بوبريتي BOBREITER): مدرس تاريخ العصور القديمة و الأدب الفرنسي بمدرسة "سيدي الجلى" بقسنطينة، كان له هو الأخر دور كبير في ارشاد مالك إلى الكتب التي ينبغي أن يطالعها، و بالفعل فقد كان يعيره بعض المجالات تشجيعاً له على التقدم الذي أحرزه معه في الدراسة مثل: مجلة "الأخبار الأدبية Nouvelle Littérature" و مجلة "كونفيرانسيا Conferancia" و يقر مالك بن نبي بهذا فيعلن : "و من جهتي أنا فقذ كان الأستاذ بوبريتي قد فتح لي آفاقا جديدة، و لم يكن ذلك بدروسه المقررة علينا كالتاريخ الأزمنة القديمة و الأدب الفرنسي -,إن تكن هذه قد تركت آثرا لاينكر- إنماُ بفضل توجيهاته فيما نقرأ من كتب".

و لعل الأمر الذي يمكن استخلاصه أن مالك بن نبي نهل من ثقافتين مختلفتين عرف كيف يستفيد منهما معا، فالثقافة العربية الإسلامية غرست فيه روح الأصالة إلى الأبد" وقد أستطاعت الدروس ذاتها خاصة مع أستاتذاتها العرب أن تنمي فينا هذه الروح و تغذيها". أما الثقافة الفرنسية فقد أكسبته روح المعاصرة، و ذلك لأنهم كانوا "يصبون في نفوسنا محتوى ديكارتيا يبدد ذلك الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر"2


1 يوسف حسين، المرجع السابق ، ص39
2 نفسه، ص ص 40-41

- المؤثرات الثقافية:
-القراءات العربية و الغربية:
يعلمنا مالك بن نبي بأن قراءاته المتنوعة بالعربية و الفرنسية قد أكسبته عدداً لابأس به من المؤثرات المواجهة و المعدلة أو المحركة.
1-المؤثرات من القراءات العربية:
طالع مالك بن نبي (رسالة التوحيد) للإمام محمد عبده (1849 – 1905م) و كتاب (الافلاس المعنوي للسياسة، (الغربية في الشرق)، للكاتب تركي أحمد رضا و كان لهذان الكاتبان أثرهما البالغ في تحديد الإتجاه الفكري لمالك1 و في هذا يقول: " هذان المؤلفان أثرا على ما أعتقد في أبناء جيلي من المدرسين، أنا مدين لهما على كل حال بذلك التحول في فكري منذ تلك الفترة، لقد رسم كتاب أحمد رضا مزودا بالشواهد الكثيرة بهاء المجتمع الإسلامي في ذروة حضارته، و كان ذلك معياراً صحيحاً نقيس به بؤسه الإجتماعي في العصر الحاضر. أما كتاب محمد عبده وهنا اتخذت عن المقدمة الهامة المترجمة حول عن الفكر الإسلامي عبر العصور فقد أعطاني مستندا للحكم على فقره المحزن اليوم"2

و كان لكتاب (أم القرى) للمصلح عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902م) أثره هو الأخر على فكر مالك بن نبي و نفسيته، يقول بن نبي: " لقد كشف لي هذا الكتاب أم القرى إسلاما كان ينتظم حقا و يسعى للنهضة"3
وقرأ في التاريخ الإسلامي (مروج الذهب) و (معادن الجوهر) للمؤرخ المسعودي و كتابي (النظريات و العبرات) للمنفلوطي و كتاب (الصراع) للاجئ سعودي إلى القاهرة تناول في مقدمته "بإسهاب و براعة نادرة دور القيم اليهودية في صياغة العالم العصري"4
كما تأثر بكتابات ابن خلدون، و خصوصاً في نظرية عن الدورة الحضارية التي كانت أفكاره بعد ذلك تطويراً لها. فقرأ مقدمته (1332هـ - 1406م) و صارت مرجعاً له في معظم كتبه، و أصبح ابن خلدون أستاذه الأول و ملهمه الأكبر5.
في نظر ... من الباحثين إلى حد اعتباره و بمثابة أبن خلدون العصر الحديث, و مالك نفسه لا يحفي تأثره بفكر إبن خلدون و نظراياته حول العمران البشري. بل أشار إلى ذلك في مواضيع شيء من كتبه. كما ذكر في مذكرات حياته "شاهد القرن".
و هكذا خطر مالك و كأنه حدى لعلم إبن خلدون يهمس في وعي الأمة بلغة القرن العشرين, فأظهر أمراض الأمة وصف أسباب نهضة المجتمعات و وضع الإستعمار تحت ... فحلل نفسيته, ورصد أساليب الخبيثة في السيطرة على الأمم المتصغفة و خاصة المسلمين, ووضع لهم معادلات و قوانين "الإقلاع الحضاري".


1 مالك بن نبي، (الطالب)، ص114
2 يوسف حسين، المرجع السابق، ص42
3 عبد اللطيف عبادة، المرجع السابق، ص28
4 يوسف حسين، المرجع السابق، ص43
5 فهمي جدعان، المرجع السابق ،ص416.
لكن الأمة لم تقلع حضارياً، و ذلك إما لثقل حجم التخلف بين أفرادها و مؤسساتها وإما لضعف المحرك المقرر أن يقع بـها، و مع دلك فقد بقيت هذه المعادلات و القوانين "نظريات" مفيدة للمحركين الذين يهتمون بانطلاق "المشروع الحضاري للأمة"1
كما كان لأفكار "زكي مبارك" الموجهة ضد الصوفية أثرها الواضع على موقف مالك بن نبي الهجومي ضد الطرقية في الجزائر2

2- المؤثرات من القراءات الغربية: يذكر مالك بن نبي أن المعلم الفرنسي Martin) غرس في نفسه تذوق المطالعة بما كان يعيره من كتب و كان هذا حافزا له للإنطلاق في قراءة المؤلفات في مختلف العلوم باللغة الفرنسية فقرأ:
- كل كتب جول فرن Jules Verne، و بعضها من روايات (الرداء و السيف).
بعض مؤلفات (بيير لوتي Pierre loti) و (كلود فاريرClaude Farrere) مثل (L’Azyade) و (فاقدات السعادةle desenchate ) و (الرجل الذي إغتال l’homme qui assassina).
- سلسلة (أسرة بارديان Pardaillans ) لميشال زيناكو، و رواية (ألكسندردوماس Dumas) حول (الكونت دومونت كريستو Contre de monte cristo)، ورائعة لامارتين "البحيرة" .
- كتب الأب (مورو) و سلسلته العلمية الشهيرة (للتفاهم).
- قصة (التلميذle Disciple ) وكتاب (كيف تفكر) للفيلسوف البرجماتي الأمريكي (جون ديوي).
- كتاب "أندريه جيد" (الغداء الأراضي)، و كتاب أوجين يونغ Eugene Yung) الإسلام بين الحوت و الدب l’islam entre la baleine et l’ours) و كتاب في ظلال الإسلام الدافئة: a l’ombre chaude l’islam) للمغامرة" إيزابيل إبراهارت Ysabelle Ebrharat)
- كتاب المستشرق الفرنسي "مسينيون" عن "الحلاج" في التصوف، و كتاب (هكذا تكلم زرادشت، للفيلسوف الألماني "نيتشه" و كتب "بلزاك" و "شاثوبريان" و دراسة عن "سبينوز"
كل هذه القرارات الغربية المتنوعة كان لها أثر في تكوين فكره و شخصيته.3


1 خالد أبو الفتوح، "نحو وعي سنني" ،مجلة البيان، العدد 89، (ب.ت)
2 يوسف حسين، المرجع السابق، ص 43
3 يوسف حسين ، ص ص 44-45

5- وفاته:
عانى مالك بن نبي في أواخر حياته إرهاقا كبيرا و لم يسلم من المضايقات، فقد صرح المرحوم بغدادي بلقاسم بأنه كان شاهداً رئيسيا على محاولات اغتيال مالك بن نبي من خلال إتباع طرق علمية مدروسة في الفترة بين 1957 و 1962 و من هده المحاولات ما حدث لمالك بن نبي سنة 1960 و قال :"إن عملاء الإستعمار كانوا وراء محاولات اغتياله حينما كان منهمكا في تنظيم لقاءاته العلمية و الفكرية1
فقد تعرض إلى الاعتداء سنة 1973 حيث تعرض له أثنين أو ثلاثة فضربوه قرب منزله حتى أغمي عليه و تركوه مرميا في الطريق دامي الوجه فاقد الوعي، لولا رحمة الله به أن جاء بعض الناس و ذهبوا به إلى المستشفى و بعد هذا الاعتداء الغادر نظمت مداومة في بيته من أجل حمايته فكان الطلبة يتناوبون على حراسته في بيته 2
و بعد مرض أصابه بآلام في عينه و صداع في رأسه تحول إلى سلطان (3) ورغم علاجه خارج البلاد4 بقي متأثرا بهده الحادثة.
فتوفاه الأجل عليه رحمة الله يوم الأربعاء 4 شوال 1393هـ الموافق لـ 31 أكتوبر 1973 بمنزله5 و تبعة عدد غفير من المسلمين إلى المقبرة سيدي محمد.
كتب عنه الأستاذ رشيد بن عيسى كلمات تأبينية نشرت في العدد العاشر من المجلة يقول فيها: كان لمالك بن نبي إيمان الغزالي، و الإتساع الثقافي لإبن خلدون و التوتر البروميتي لجمال الدين الأفغاني، و عزم حسن البنا، ينتمي مالك إلى سلسلة المفكرين و المجددين مثل رشيد رضا و محمد إقبال و إبن باديس، حيث كان تلميذهم و موصلا مجدهم6
ووجدت في يوميات مالك بن نبي الشخصية كلمات كتبها قيل وفاته بعنوان "إني .. نهايتي ..." جاء فيها:
"إني أشعر أكثر فأكثر في السنة التاسعة و الستين من حياتي بشعور ارتياح، و إني كرجل على ظهره حمل ثقيل، يشكر المولى تعالى أن وفقه على نقل الحمل أبعد و أطول ما يمكن، و لكنه ينتظر وقت وضعه ،إن حياتي كانت ثقيلة الحمل ،و قرب السبعين من عمر فإني أستشف نهايتي بإرتياح ..."7


1 أحمد منصور، الرئيس أحمد بن بيلا ... يكشف عن أسرار ثورة الجزائر، ط،1 كتاب الجزيرة، قطر: الدار العربية للعلوم،2007 ، ص471
2 مقال للإستاد،يوسف بوعجيلة، "مالك بن نبي و بناء الذات" على الموقع الإلكتروني:
HTT¨:// www.chihab.net/modules.php?name+new @ new topic, P1
3 بشير بلاح، المرجع السابق، ص 411
4 مولود عويمر، المرجع السابق، ص 32
5 عبد اللطيف عبادة، المرجع السابق، ص 27
6 مقال للأستاذ، يوسف بوعجيلة، المرجع السابق، ص01
7 نفسه ، ص 02
لأنه كان على سرير مرضه يتابع حرب رمضان في مصر مستبشراً بما حققته من انتصارات على العدو الصهيوني1

توفي مالك بن نبي بعد أن وضع أسس البناء وقد نمت الدعوة و أصبحت واعية بنفسها أكثر و تدرك مهامها بأوضح سبيل و طريق، فقد رأى فيه خصومه الصخرة التي تحطمت عندها أهدافهم المتمثلة في نشر الإلحاد و الفساد في صفوف الطلبة الجزائريين كبداية لنخر المجتمع المسلم الجزائري من الداخل و تحويله إلى لقمة سائغة أمام التيارات الهدامة في الجزائر المستلقة.2


1 عبد اللطيف عبادة، المرجع السابق، ص27
2 بشير بلاح ، المرجع السابق، ص 411

[1] مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن ( الطفل )، ترجمة مروان القنواتي،ج1، ط1، بيروت : دار الفكر، 1969، ص15

[2] يوسف حسين، نقد بن نبي للفكر السياسي الغربي الحديث، ط1، الجزائر: دار التنوير للنشر و التوزيع، 2004، ص6

[3] بشير بلاح، المرجع السابق، ص 6

[4] المجلس الإسلامي الأعلى، مالك بن نبي حياته و أعماله، ( الملتقى)، الجزائر : منشورات المجلس ، 2005، ص 36

[5] مالك بن نبي،(الطفل)، المصدر السابق ،ص 60

[6] نفسه، ص 100

[7] المجلس الإسلامي الأعلى، المرجع السابق، ص 36

[8] بشير بلاح، المرجع السابق، ص 406

[9] نفسه، ص 407

[10] محمد عيسو، الأسس الثقافية للتقدم الحضاري عند مالك بن نبي، ( رسالة ماجستير في الفلسفة، قسم الفلسفة، جامعة الجزائر) ( 1988-1989)، ص 22

[11] بشير بلاح، المرجع السابق، ص 407.

[12] مالك بن نبي، ( الطفل )، ص 241.

[13] نفسه، ص 246.

[14] بشير بلاح، المرجع السابق، ص 403.

[15] مالك بن نبي، ص 276.

[16] بشير بلاح ، ص406.

[17] أفلوا : مدينة في الجنوب الغربي الجزائري.

[18] مالك بن نبي، (الطفل) ، ص 305.

[19] نفسه، ص 311.

[20] المجلس الإسلامي الأعلى ، المرجع السابق، ص 21.

[21] مجلة الشهاب: و هي الجريدة الثانية التي أنشأها عبد الحميد بن باديس لزعيم الحركة الاصلاحية في الجزائر، و ذلك بعد إتجاه إلى عالم الصحافة صدر العدد الأول منها بتاريخ 12 نوفمبر 1925 بقسنطينة مسقط رأسه كان شعارها أنها (لسان الشباب الناهض في القطر الجزائري ) وكانت الشهاب مجلة أسبوعية أول الأمر، ثم لم تلبث أن أصبحت شهرية، و كانت ملكا لإبن باديس، توقفت عن الصدور بعد أن إمتد الزمان بها إلى سنة 1939. حيث أمضت أربع سنوات تصدر أسبوعياَ. و إحدى عشر سنة شهريا. هذه المجلة التي تحمل مسؤولية الدفاع عما بقي من تلك الفضائل و القيم و إحياء الإصلاح و ما أفسده الاستعمار.
6 شلغوم العيد:مدينة في الشرق الجزائري كانت قديما تابعة لولاية قسنطينة و كانت تعرف آنذاك بإسم "شاتودان chateaudun" و هي إحدى جرائم الاستعمار التي لم ينبغ منها حتى أسماء المدن و القرى.

[22] شير بلاح، المرجع السابق، ص 408

[23] مالك بن بني، المصدر السابق، ص 305

[24] مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن(الطالب)، بيروت: دار الفكر ،1969 ، ص09

[25] عمر بن قينة، الشكل و الصورة في الرحلة الجزائرية الحديثة, الجزائر: دار الأمة، 1995 ، ص 82

http://www.algeria-tody.com/forum/showthread.php?t=11859
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://malekbenabbi.forumalgerie.net
 
حياة مالك بن نبي رائد الحضارة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مجمع مالك بن نبي  :: الفئة الأولى :: مالك بن نبي .. حياته وسيرته الذاتية-
انتقل الى: